مجمع البحوث الاسلامية

414

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والمواعظ ، فهو تبيان لذلك كلّه . ومن صفته الخاصّة - أي المتعلّقة بالمسلمين الّذين يسلمون للحقّ - أنّه هدى يهتدون به إلى مستقيم الصّراط ، ورحمة لهم من اللّه سبحانه يحوزون بالعمل بما فيه خير الدّنيا والآخرة ، وينالون به ثواب اللّه ورضوانه ، وبشرى لهم يبشّرهم بمغفرة من اللّه ورضوان ، وجنّات لهم فيها نعيم مقيم . هذا ما ذكروه وهو مبنيّ على ما هو ظاهر التّبيان من البيان المعهود من الكلام ، وهو إظهار المقاصد من طريق الدّلالة اللّفظيّة . فإنّا لا نهتدي من دلالة لفظ القرآن الكريم إلّا على كلّيّات ما تقدّم ، لكن في الرّوايات ما يدلّ على أنّ القرآن فيه علم ما كان وما يكون ، وما هو كائن إلى يوم القيامة . ولو صحّت الرّوايات لكان من اللّازم أن يكون المراد بالتّبيان الأعمّ ، ممّا يكون من طريق الدّلالة اللّفظيّة ، فلعلّ هناك إشارات من غير طريق الدّلالة اللّفظيّة تكشف عن أسرار وخبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها . والظّاهر - على ما يستفاد من سياق هذه الآيات المسوقة للاحتجاج على الأصول الثّلاثة : التّوحيد والنبوّة والمعاد ، والكلام فيها ينعطف مرّة أخرى عليها - أنّ قوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إلخ ، ليس باستئناف ، بل حال عن ضمير الخطاب في ( جئنا بك ) ، بتقدير « قد » أو بدون تقديرها ، على الخلاف بين النّحاة في الجملة الحاليّة المصدّرة بالفعل الماضي . والمعنى : وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ، والحال أنّا نزّلنا عليك من قبل في الدّنيا الكتاب ، وهو بيان لكلّ شيء من أمر الهداية ، يعلم به الحقّ من الباطل ، فيتحمّل شهادة أعمالهم ، فيشهد يوم القيامة على الظّالمين بما ظلموا ، وعلى المسلمين بما أسلموا ، لأنّ الكتاب كان هدى ورحمة وبشرى لهم ، وكنت أنت بذلك هاديا ورحمة ومبشّرا لهم . وعلى هذا فصدر الآية كالتّوطئة لذيلها ، كأنّه قيل : سيبعث شهداء يشهدون على النّاس بأعمالهم ، وأنت منهم . ولذلك نزّلنا عليك كتابا يبيّن الحقّ والباطل ، ويميّز بينهما حتّى تشهد به يوم القيامة على الظّالمين بظلمهم ، وقد تبيّن الكتاب ، وعلى المسلمين بإسلامهم ، وقد كان الكتاب هدى ورحمة وبشرى لهم ، وكنت هاديا ورحمة ومبشّرا به . ومن لطيف ما يؤيّد هذا المعنى مقارنة ( الكتاب ) بالشّهادة في بعض آيات الشّهادة ، كقوله : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ الزّمر : 69 ، وسيجيء إن شاء اللّه أنّ المراد به : اللّوح المحفوظ ، كقوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ الواقعة : 77 ، 78 ، وقوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ البروج : 21 ، 22 . وشهادة « اللّوح المحفوظ » وإن كانت غير شهادة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، لكنّهما جميعا متوقّفتان على قضاء الكتاب النّازل . ( 12 : 324 ) خليل ياسين : كيف نزل القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وكثير من الأحكام الشّرعيّة لم يتعرّض إليها ، فإنّه قال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ البقرة : 43 ،